الشريف الرضي

246

حقائق التأويل في متشابه التنزيل

ومما [ 1 ] يستدل به على ذلك قوله تعالى في وصف الجنة : ( أكلها دائم وظلها . . . ) [ 2 ] ، وقد دل الدليل على أن كل مخلوق الآن لابد أن يفنى ، وإذا لاقحنا بين هذين الدليلين ، كان نتاجهما أن الجنة والنار غير مخلوقتين ، ألا ترى إلى قوله تعالى : ( يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب كما بدأنا أول خلق نعيده وعدا . . . الآية ) ! [ 3 ] فإذا انقضت بنية السماء وطويت كطي الكتاب ، وجب أن ينتقض أيضا بنية ما يتصل بها ، ويكون مستقرا عليها ، وقد ثبت أن الجنة تخلق ( في 4 ) السماء أو عليها ، وتكون السماء مكانا لها أو عمادا تحتها ، وقد وصفها الله تعالى كما ذكرنا بدوام الأكل وبقاء الظل ، فلو كانت الآن مخلوقة في السماء لا نطوت لانطوائها وانتقض بناؤها بانتقاض بنائها . فأما ما ذكره الله تعالى من أن آدم ( ع ) كان في الجنة ، فاهبط منها إلى الأرض ، وما جاءت به الاخبار من أن الأنبياء ينقلون إلى الجنان وينعمون إلى حين فناء العباد ، فهو غير قادح فيما ذكرناه ، لان المراد بهذه الجنان غير جنة الخلد التي هي قرار المآب وجنة الثواب ، والجنة في أصل اللغة يعبر بها عن الرياض والمنابت والأشجار والحدائق والكروم المعروشة والنخيل المتهدلة ، وعلى هذا قوله تعالى : ( ولولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله . . . ) [ 5 ] ، أراد تعالى الحديقة

--> ( 1 ) وفي ( خ ) : ما . ( 2 ) الرعد 35 ( 3 ) الأنبياء : 104 ( 4 ) وفي ( خ ) : من ( 5 ) الكهف : 39 .